” من رواية خالد ” الــفصـــل الــثــالـــث

Spread the love

———–
الــــقـــارب
_____________

بقلم الكاتب – أسامة عبدالعزيز بدّور

فما بالك بالرَّجُل الذي أوتي رؤيةَ الحياةِ بعيونِ الناس، يُبصرُ حاجاتِهم وشهواتِهم وأحلامَهم ومخاوفهم. نظرةٌ واحدة كانت تكفيني لمعرفةِ دربهم والنهاية. أصبحتُ أخشى النظر إلى عينيّ.
معرفةُ النهايةِ أصابَتني بالملل؛ كانتِ الأحلامُ وحدها تثيرُ فيَّ شغفَ قراءةِ العيون، لكن جسدي أصبحَ مُنهكًا وخائرَ القوى.. شعرتُ بالإجهادِ الشَّديدِ حتَّى وجدتُ الحلَّ فأغمضتُ عينيّ.

كانَ هذا في أوَّلِ حياتي، وكنتُ أظنُّها أقسى اللَّعناتِ التِّي يمكنُ أن تصيبني حتى لُعِنتُ بقراءةِ الماء.
في ليلةٍ عاصفة مع بعضِ الأصدقاء. قاربٌ منهكٌ وبحرٌ ظامئٌ لأرواحنا، وما يجمعُ بيننا هو خوفُ الغرق.
كانَ علينا أن نختارَ مَن منَّا سيكونُ قرباناً للبحر!
سألني صديقي: لِمَ لا يبقى الجميع؟
أجبتُه قائلاً: لأنَّ القارب لا يتَّسع.

هُنا تجلَّت قسوةُ الحياةِ والموتِ بكلِّ صراحة.
صرخَ أحدُهم: اللَّعنة اللَّعنةُ على الاختيار؛ إنه هو اللَّعنةُ الحقيقيَّةُ التِّي سلَّطناها على أنفسنا!
تقدَّم أحدهم وقال: يا أصدقائي، منَحتُموني أجملَ ما يتمنَّاهُ الرَّجل: “لحظاتٌ جميلة، وحياةٌ تستحق الاحترام، و… حَجَب صوتُ الرَّعدِ كلماته.

وكلماتي إليه..
كنتُ أصرُخ قائلاً: (ليسَ المطلوبُ هنا الإيثار، وإنما إحقاقُ الحقِّ؛ منحُ النَّجاةِ لِمَن يستحق)
ذَهَبَ إلى حافةِ القاربِ، وألقى للبحرِ نفسَه كالعاشق.
قفزتُ خلفَهُ مُحاوِلاً الوصولَ إليه..
باعَدَتِ الأمواجُ بيننا وابتعدَ القارب.
لَمْ أستسلِم؛ تركتُ القاربَ والنَّجاة، ذهبتُ خلفَه.

لحقتُ بهِ فى لحظاتهِ الأخيرة، الإجهادُ والجوع لَمْ يساعدانا على الصمودِ فوقَ سطحِ الماء.
كانَ يُتمتِم بكلماتٍ واهية.

ليسَ إيثارًا يا خالد.. ليس إيثارًا، لكنَّهُ إحقاقٌ للحق.
منَحتُكُ أنتَ النَّجاةَ لأنَّك تستحقُّ أفضلَ منِّي.

وصيَّتي الأخيرةُ يا صديقي:
دعِ الأمرَ كلَّه لقلبِك يا خالد، فالنَّجاةُ فى قلوبِنا، وما العقل إلا… كتَمَ الماءُ صوتَهُ وأُذنيَّ.
ضممتُه إليّ، قلت: لا.. أنتَ مَن… ورغمًا عنِّي نظرتُ إلى عينيهِ فى لحظةٍ صَمَتَ فيها فَمُه لتتكلَّم عيناهُ، وروحهُ تفارقه.

رغمًا عنِّي قرأت.. وجاء البرقُ ليكمِل المأساة..
كلُّ ما حدثَ في وقتٍ واحدٍ بدَّلَ الكثير، ماتَ صديقي، خرجَت روحي في عيني.

فى فمي كانَ الماءُ يملأُ رئتيَّ، وصاعِقةٌ سَرَت في جَسدَينا مرةً واحدة، طاقةٌ عذبةٌ صافية، شعرتُ بقوَّةٍ ساعدتني على الصُّمودِ والبحثِ عنهُ، لكن الأوان فاتَ وأصبَحَ الموجُ قَبْره.

عُدتُ إلى القارب.. لَمْ أجِد عليهِ سوى صديقٍ واحد بطعنةٍ نافذةٍ في صدره.

حكى لي عن تقاتُلِهم، وكل منهم يحاولُ إلقاءَ الأخر.

إلا أنا؛ لَم أفعل فعلَهم، ورغمَ ذلكَ طُعِنتُ مِن صديقي.

كنتَ على حق يا خالد حينَ قلت: سيقتلُ بعضُنا البعض.. لكنَّنا لَم نصدِّقك سوى الآن.
النهايةُ عادِلة: “أنتَ من تستحقُّ النجاةَ يا صديقي”
قُل الآن يا خالد ما كنتَ تخفيهِ من قبل، أنتَ النَّاجي الوحيد أنت، أنتَ خالد.

ولفظَ روحَه فى عيني..
جلستُ في مُقدِّمةِ القاربِ، وإلى جانب جُثَّته، تذكَّرتُ كلماتِه الأخيرة: (ثِق بعقلِك يا خالد، فالنَّجاةُ في عقولِنا، وما قلوبُنا إلا..
مرَّت ثلاثُ ليال، ولاحَت أضواءُ البَرِّ مِن بعيد.
لَم أجِد ما أكتبهُ على جسدِ القارب.
فتركتُه لك لتختارَ لهُ القربان والاسمَ الأَفضل.
…………………………………….
……………….
………
والآن، بعدَ أن شاركتني لعنة َالاختيارِ وتَورُّطِك مِن قبلُ في الجريمة.
عليَّ استِردادُ القلم منكَ حتى لا يكثُر عليك.
الاختيارُ فتشقى.

سبَحتُ إلى الشاطئ.. جلستُ لأستريح، وكانَ الغريب أنني لَم أعُد اشعرُ بالتَّعب، ولكنِّي بحاجةٍ إلى النوم، أريدُ أن يتوقَّفَ عقلي ولو للحظات.

طالَ وقوفي أمامَ الأمواج.. هنالِكَ شيءٌ مفقودٌ لَم أقرأهُ مِن قبل.

وسَرَت في جسدي تلكَ الرَّعشة.

لا يمكنُ تفسيرُها، بعضُ النَّاسِ يسمُّونها الشِّعر.

كتبتُ على الرَّمل…
مِن رواية خالد:
مَن يُراقِبُ البحرَ جيِّدًا، ويقرأ الموجَ بعناية، يدرك حقيقةَ الأمر..
أليسَ غريبًا أن تكونَ كلمةُ البرِّ في لغاتٍ قديمةٍ تعني “الموت”.
إذن.. الأمواجُ تركضُ إلى حتفِها مثلنا تمامًا..
ما كتبتُه وهذهِ الرَّعشة جعلَت مائي يهدأ..
واستسلَم النومُ لي.
نمتُ أيامًا متواصلة..
الظمَأ، وليسَ الجوعُ ما أيقظَني.

حصلتُ على الماءِ، ومِن أولِ رشفةٍ بدأتُ الـ….

Facebook Comments Box

شكرا لقرأتكم موضوعاتنا ، أترك تعليقك على الموضوع

%d مدونون معجبون بهذه: