النظرية الرمزية في السينما المصرية

Spread the love

بقلم / د. محمد حسن :

في بداية حديثنا يجب أن نعرف أنه يوجد نظرية أو مدرسة أو أي اتجاه أو عمل فني يوجد فيه رمز حتى

أهم المخرجين ورموز المدرسة الواقعية مثل المخرج الكبير صلاح أبو سيف الذي يستخدم الرموز في

معظم أفلامه السينمائية.

 

وهنا يطلق عليها البعض اسم الواقعية الرمزية لأن في هذه الحالة يكون الفيلم تابع للمدرسة الواقعية،

لكن الفيلم مفعم بكثير من الرموز مثال الفيلم الشهير للمخرج صلاح أبو سيف “البدايه ” للفنان أحمد زكي،

والذي يظهر أن الفيلم غير واقعي بالمرة وكان من الأفلام الفنتازية، وكان يحكي الفيلم وجود مجموعة

من الناس تاهت في الصحراء، وهنا يتأكد لنا أن هذه الفكرة غير واقعية، لكن يوجد بها الكثير من الرموز.

 

ونرى أن هؤلاء الناس صنعوا مجتمع وتم بنائه، بالتالي ظهرت سلطة وقهر السلطة وديكتاتورية

السلطة وأن الحاكم كون مدينة وبدأ هذا الحاكم أن يفعل مثل جميع الدول الفاشية في الحكم من احتكار

الثورة لنفسه، ليس للشعب، وبدأ الثوار بالاعتراض، وهنا يظهر الرمز وطريقة تطبيقه من صالح أبو سيف

من ناحية كتابته للسيناريو وإخراجه للفيلم بمنتهى العبقرية، وكانت الرموز أولا تستخدم في الأدب للدالة

على الحب والعواطف وكثير من المشاعر، ثم انتقلت للسينما، والجدير بالذكر أن الرموز شئ غير جديد

علينا وظهرت المدرسة الرمزية سنة 1870م في أوروبا.

 

ولكن الرموز منتشرة من قبل ذلك في الأدب حتى يقال أن أدب أوروبا في ذلك الوقت كان أدبا رمزيا،

وبالتالي فإن الرمز قديم قدم الأدب نفسه، وأيضا الأشعار مثل أشعار عنتر بن شداد، والأشعار المعلقة أيام

الجاهلية كلها رموز واستعارات مكنية، ونحن نستخدم تلك الرموز عن طريق تجسيد محسوسات غير مدركات

نجعلها مدركة ومعلومة عن طريق الرمز.

 

وفي بداية الأمر استخدم الرمزيين تلك الرموز في توظيفها لخدمة الناحية الدينية مثال أن الصليب يرمز للسيد المسيح

الذي صلب وإن الهلال يرمز له بالإسلام وليس ان الاسلام أو المسيحية مختزلين في تلك الأشكال، ولكن

هذه الرموز أصبحت رموز متعارف عليها في الثقافات المختلفه، إذا الرمز يجب أن يكون له لغة مشتركة

ومعنى بين المرسل والمستقبل لأن أي عمل فني يكون عن طريق عملية اتصالية بين طرفين ويربطهم وسيلة

لتوصيل الرسالة المرادة.

 

ونقول هنا أن الرموز هي دلاله فكرية تحمل معنى وهدف مراد توصيله بغير ذلك لا يكون للرمز أهمية

في الموضوع. ونأتي لفرع آخر وهو الدلالة الفكرية وهي تتكون من جزئين وهما:

الدال: الكلمة التي تدخل في الصورة السينمائية وتكون المشهد السينمائي هنا المشاهد يخرج بالحكمة.
والدلالة الفكرية المراد معرفتها ويتم ذلك بناء على الخبرات والمعلومات السابقة.

المدلول: وهو المعنى، بحيث يعرف أن المعنى المراد مثال من الصليب هو يقصد المسيحية وان الهلال
يقصد الإسلام، وفي كثير من الأفلام تظهر صورة الهلال محتضن الصليب وهنا يرمز على تكاتف وحدتي الأمة

ودلالة على الوحدة الوطنية. ومن هنا يفهم المشاهد تلك الرموز وتكون نجحت النظرية الرمزية في هذا المشهد

دون أي كلام.

وتعريف الرمز في أبسط صوره: هو عبارة عن عالمه أو إشارة من الممكن أن تكون صورة أو كلمة أو نغمة

لها دلالة معروفة أو معنى معين في مجال التجربة الإنسانية والحياتية.

*ويوجد نوعان من الرموز وهما الرموز الجماعية والفردية :

الرموز الجماعية: بمعنى أنه يوجد رموز تدل على الجميع أو على الجماعية مثل رمز علم مصر،
وهنا متفق عليه أنه رمز للوطن والمصريين، وهنا نرى أن الوطن شيء غير ملموس مثل الحواس والمشاعر

غير المدركة، تجسد وتصور على هيئه رموز لنعرفها ونشعر بها، وأيضا مثل النشيد الوطني. مثال أيام الرئيس

الراحل جمال عبد الناصر كان يوجد حرب لنمحو الهزيمة لسنة 1967م، بحرب الاستنزاف،

وكان في ذلك الوقت النشيد الوطني هو: (والله زمان يا سلاحي اشتقت لك في كفاحي يا حرب
والله زمان). وهنا كان النشيد يدل على الحرب واسترجاع الكرامة والأراضي بالسلاح والكفاح جاهدا

نحوها وتجمع الوطن والجيش في هذا النشيد كرمز لعدم الاستسلام، وبعدها تمت اتفاقيه السلام وتم تغير

النشيد الوطني ليكون (بلادي بلادي، لكي حبي وفؤادي، مصر يا أم البلاد انتي غايتي والمراد)
وهذا النشيد توحي كلماته وترمز لحب الوطن وقيمة الوطن ورفع قيمته، وبالتالي نرى أن كل تلك
المعاني والرموز جسدت في النشيد الوطني، وبالتالي الرمز يحمل معنى وفلسفة أمة كاملة إذا كان رمز
جماعي.

الرموز الفردية: وهي العادات والمعتقدات الشخصية مثال رؤية قطة سوداء يرمز ذلك لدى بعض الناس إلى

التشاؤم، وهذا رمز محبط، ويوجد أيضا رمز مبهج مثال سماع المغني المفضل أو الاستيقاظ على
شيء معين، وتكون تلك الرموز بالنسبة للأشخاص معينة ورموز فردية ليست جماعية عند جميع الناس.

 

 

 

* الرمز في الفيلم السينمائي :

 

مفهوم الرمز في الفيلم السينمائي شيء يحل محل شيء آخر، فهو يقوم بتوصيل شيء آخر عن طريق إبراز

أو إثارة أو استفزاز أفكار سبق جمعها في ذهن الشخص الذي يتعامل مع الرموز، وتتورط كل أشكال الاتصال

الإنساني في استخدام الرموز، ونفهم بوضوح معانيها إذا ما كنا بالفعل نعرف الأفكار أو المفاهيم المرتبطة بالرمز

أو المتضمنة فيه، فالأشياء التي تتخذ معنى رمزيا في الفيلم غالبا ما تكون غير محددة المجال، وفي الكثير من

الأحيان يأخذ المكان رمزية إضافية قوية، وغالبا ما يحدث استخدام الشخصيات بشكل رمزي، وما أن تكون

الشخصيات رمزية، فإن الصراعات التي تحدث في داخلها تصبح رمزية أيضا، ولذلك فمن الجوهري أن تكون

على إدراك بوعي لطبيعة التوصيل الرمزي في العمل المعروض في النهاية.

 

* دور الرمز في فنون السينما :

أدت الفنون البصرية إلى ظهور العديد من التطورات التكنولوجية في مجال التصوير الفوتوغرافي والسينما،

أدت التطورات المتلاحقة لإنتاج الأعمال الفنية إلى تطورات في غاية الأهمية بالنسبة لحياة الإنسان، و

في أشكال الثقافة الإنسانية وتتمثل هذه التغيرات في الاختراعات الخاصة بالصوت والصورة والحركة،

ونقلها تغيرت أشكال المتعة والترفيه والتعليم والاتصال، ومن هنا احتلت السينما بتطورها وتقدمها التقني

شكل سينمائي مميز ومختلف مما جعل للسينما شكل تقني مختلف ولغة خاصة.

ولعل كل هذه التطورات أظهرت تطورات كبيرة في عملية إحساس المتفرج والقدرة في التأثير على المشاهد

مثلما يحدث اليوم مما أدى إلى وجود تفاعل قوى بين صانعي الأفلام والمشاهدين، ولذلك ظهرت قيمة وأهمية

الرمز بشكل كبير داخل الفيلم السينمائي الذي يعتمد على مدة زمنية قصيرة حوالي ساعتين أو ثلاث ساعات،

والمفترض أن يعبر عن مجموعة أحداث مختلفة في هذا
الزمن القصير أو أن يعبر عن يوم واحد فقط ولكن بمجموعة أشخاص مختلفة المستويات والعادات والتقاليد،

وهكذا حدث إلتقاء بين الصورة والعلم وبين الفن والتكنولوجيا، بين الزمان والمكان ربما بشكل غير مسبوق في التاريخ.

 

 

 

* طبيعة الرمز العالمي :

تعتبر الرموز العالمية رموزا جاهزة بحيث تكون بالفعل محتوية على قيم ارتباطات يفهمها أغلب المثقفين؛

وباستخدام الأشياء أو الصور أو الأشخاص الذين يثيرون بشكل إلى العديد من الارتباطات المعقدة، مما يتيح

لصانع الأفلام خلق المواقف المرتبطة والمشاعر داخل محتوى أفلامهم، فهم يحتاجون إلى استخدام الرموز

بشكل مناسب ليستفيدوا من قوتها الاتصالية، وقد تتنوع ردود الأفعال من جراء استخدام الرموز، تبعا لطبيعة

الرمز وأهميته بالنسبة للجمهور المشاهد من مواقف وأفكار ذات ثقافة معينة، مثل عرض علم إسرائيل أو أمريكا

وهو يحترق في دولة مثل مصر، فنجد شعور مختلف على أن يعرض هذا المشهد في أمريكا وهكذا، والكثير

من الرموز العالمية. مشحونة بمعانيها من الخارج خلال ارتباطات ماضية بأناس أو أحداث أو أماكن أو

أفكار أكثر من خلال سماتها الداخلية.

تطبيق النظرية الرمزية في السينما: فيلم “شباب امرأة” للمخرج صالح أبو سيف تم إنتاج الفيلم سنة 1956م

تدور أحداثه حول إمام بلتاجي حسنين ” شكري سرحان” الشاب القادم من الريف ليدرس في القاهرة، يستأجر

إحدى الغرف بمنطقة القلعة تمتلكه امرأة متسلطة تسمى شفاعات “تحية كاريوكا”تعجب بفحولته وشبابه

وتحاول غوايته وتنجح في ذلك ويمضي معها في هذا الطريق وينغمس في الرذيلة ويتعثر في دراسته

وعلى الجانب الآخر يساعده الرجل العجوز الذي وقع ضحية تحت شهوة وإرادة تلك المرأة في الابتعاد عنها

وعدم فعل ما فعله هو في الماضي، وتساعده شابة قريبة له يعرفها منذ الطفولة في الخروج من دوامة الفساد

التي غرق فيها مع شفاعات، وينصحه والدها بالابتعاد عنها فيحاول التحرر من أسر صاحبة البيت برغم

مقاومة شفاعات لهذا التحرر وينتهي الفيلم بتحرر إمام وموت شفاعات تحت أقدام الثور.

يبدأ الفيلم بوالده إمام “فردوس محمد” تمسك بحبل مربوط به بقره وذاهبه بها ناحية السوق وترجع بهذا الحبل

إلى البيت فارغ بدون البقرة وهنا يوجد أول رمز في الفيلم أن هذه السيدة باعت كل ما لها وكل ما تملك ومصدر

طعامها لأن البقرة عند الفالحين هي مصدر اللبن والجبن والزبدة ويعيش عليها عن طريق حلبها وبيع اللبن.
وهنا يدل رجوع السيدة بدون البقرة على الرمز في أنها ضحت بكل ما تملك لأجل أن يذهب ابنها إلى القاهرة

ويكمل تعليمه ويحقق حلم أسرته.

 

وفي مشهد آخر ينقذ الشاب إمام الرجل برفع الحجر الكبير من عليه في وجود شفاعات، وهنا يتضح لنا الرمز

الثاني لأن في وسط كل تلك الأحداث تكون عينان المرأة على عضلات وفتوته الظاهرة وعلى شبابه،

ومن هنا يأتي اسم الفيلم «شباب إمراه” التي تريد عيش شبابها الذي افتقدته مع هذا الشاب واعجبت به على

الرغم من أنها في بداية الأمر لم تكن تريده في العيش معها في نفس المكان، وبالتالي سوف يقع هذا الشاب

في حبها بسبب عدم اكتسابه لخبرات سابقه في القرية، ويأتي في مشهد آخر عندما تأخد هذه السيدة الشاب

للذهاب في جولة وتمسك به للخروج يأتي الكادر على رجل يمسك بالثور ويحركه ويسحب حجر وزنه ثقيل لقهوه الثور.

 

وهنا الرمز الثالث عن طريق تشبيه الثور بالشاب القوي المفتون الذي تحركه المرأة تحت طاعتها وكأنه ثور

وتشبيه الغمامة التي يرتديها الثور لتحريكه دون اعتراض بالحب الذي يحبه هذا الشاب للمرأة وأن
الحب هو الذي يحركه معها ويوجد رمز موجود طوال الفيلم وهو بنيه حمام معلقه على الحائط مقسومة
نصفين، ويبات فيها الحمام ونرى أن كل ما الشاب يفعل تمرد على شفاعات نرى طيران الحمام ويوصل

لأعلى قمة ومطلق حريته، وعندما يكون محبوس ويقع تحت قدمها يكون إمام تحت طاعة السيدة وهنا التشبيه

وكأن هذا الشاب هو الحمام، ونرى في مشهد آخر أن عندما خرجت المرأة ساحبة الشاب في يدها يقطع المشهد

امرأة ساحبة خروف، وكأن هذا الخروف هو إمام كل هذه رموز جسدت في هذا العمل وظهرت لنا في صوره

واقعية ورمزية حية.

 

ونرى طبيق المدرسة الرمزية أيضا في فيلم ” القاهرة 30 ” لمحفوظ عبد الدايم الذي يقوم بدوره “حمدي
احمد” الذي يعثر على وظيفة وتم العرض عليه أن يتجوز مكان الباشا بمعنى أصح يصبح ديوث وقواد
بالتالي وافق ومن بعدها ذهب لمكتبه يظهر التكوين شماعة ومكتب وكرسي ومن ثم يجلس حمدي
أحمد على الكرسي ليظهر خلفه شماعة تستخدم لتعليق البدلة والطربوش وعندما يجلس يظهر القرنين
محاطين رأسه وكأنه “ذو قرنين” وهذه العلامة “القرنين” في ثقافتنا التراثية وعاداتنا الوراثية المعتادة أن
القواد رمز لذو القرنين وتم توظيف الرمز بشكل رائع ومبدع .

وهنا تكون طبقت المدرسة والنظرية الرمزية في تلك الأفلام استنادا إلى النظرية الواقعية بشكل واضح وفني رائع.


د. محمد حسن يكتب عمر خيرت وهاني شاكر فوق السلطان حسن والملك فاروق

 


بالفيديو .” خطيب مراتي”قريبا الإثارة ولغة الإشارة(ندا عادل وحسن حرب)

 

 


د.يمينة زرينيز:مؤتمر الضغوط الأسريةوالنفسية “يوصى الآباء والأمهات بالقدوة الحسنة،ويحث على ضبط الإنفعالات


 

Facebook Comments Box

شكرا لقرأتكم موضوعاتنا ، أترك تعليقك على الموضوع

%d مدونون معجبون بهذه: